وادي نيوزوادي نيوز
إعلان
سياسة

رقعة الشطرنج المشتعلة…صراع العروش في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران وتل أبيب

يشبّه المقال صراع الشرق الأوسط بـ“صراع العروش”، حيث تتنافس أمريكا وإيران وإسرائيل على النفوذ والهيمنة. ويرى أن الحل العسكري وحده لن ينهي الأزمة، وأن المنطقة قد تتجه إما إلى تسوية كبرى أو إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.

العالم العربي | 14 مايو 2026 | قراءة 1-2 دقيقة | بقلم المدير العام
رقعة الشطرنج المشتعلة…صراع العروش في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران وتل أبيب
تتصدر عناوين الأخبار ووكالات الأنباء العالمية مشاهد الدمار والتصعيد المستمر في الشرق الأوسط، حيث تحولت المنطقة إلى رقعة شطرنج دامية تتصارع فيها قوى إقليمية ودولية على النفوذ والبقاء؛ في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز مواقف الأطراف الفاعل الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران لتشكل جوهر أزمة تتجاوز الحدود الجغرافيا لتلامس صميم النظام العالمي الجديد. وإذا أردنا تفكيك طلاسم هذا الصراع، فلن نجد إطارا تحليليا أكثر بلاغة من الملحمة الدرامية “صراع العروش” (Game of Thrones)، حيث تتشابك التحالفات، وتتغير الولاءات، ويبقى الهدف الأسمى هو الجلوس على “العرش الحديدي” للهيمنة الإقليمية. في عالم “ويستروس” الخيالي، تتصارع العائلات النبيلة على السلطة المطلقة، متجاهلة في كثير من الأحيان الخطر الوجودي القادم من الشمال، هذا ما تبدو عليه خريطة الشرق الأوسط اليوم وكأنها تجسيد حي لهذا الصراع الملحمي؛ الولايات المتحدة، بأسطولها العسكري ونفوذها الاقتصادي، تلعب دور القوة المهيمنة التي تسعى للحفاظ على استقرار الممالك السبع (حلفائها في المنطقة) وضمان تدفق الموارد الحيوية؛ في المقابل، تقف إيران كقوة طموحة تسعى لكسر هذا الطوق، مستخدمة استراتيجية “الوكلاء” التي تشبه إلى حد بعيد تحالفات العائلات الصغرى في المسلسل، حيث تمتد أذرعها من اليمن إلى لبنان، ومن العراق إلى سوريا، في محاولة لتطويق خصومها وتوسيع رقعة نفوذها. إسرائيل، من جهتها، تجد نفسها في قلب العاصفة، متحصنة خلف جدرانها الدفاعية المتقدمة، تماما كما يتحصن “حراس الليل” خلف الجدار الجليدي العظيم، بالنسبة لتل أبيب، التهديد الإيراني ليس مجرد صراع سياسي، بل هو تهديد وجودي يستوجب استنفار كل الطاقات والتحالفات الممكنة. وقد تجلى هذا بوضوح في المواجهات العسكرية المباشرة التي شهدناها مؤخرا، والتي بلغت ذروتها في حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025، حيث تبادل الطرفان ضربات غير مسبوقة كسرت قواعد الاشتباك التقليدية. اللافت في هذا الصراع هو كيف تتداخل المبادئ مع المصالح، تماما كما في “صراع العروش” حيث لا يوجد أبيض وأسود مطلق. فالتاريخ يذكرنا بأن العداء الحالي بين واشنطن وطهران لم يكن دائما على هذه الدرجة من الحدة، بل إن هناك محطات شهدت تقاطعات في المصالح، لعل أبرزها فضيحة “إيران جيت” في الثمانينيات، حيث تم تمرير أسلحة أمريكية وإسرائيلية إلى إيران في خضم حربها مع العراق. هذا التناقض الصارخ يؤكد أن السياسة الدولية، كألاعيب “كينغز لاندينغ”، تحكمها البراغماتية المطلقة، حيث يمكن للأعداء الألداء أن يتعاونوا في الخفاء إذا اقتضت الضرورة. ومع ذلك، فإن الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وقعت فيه طهران، والذي يشبه أخطاء بعض قادة “ويستروس” الذين استعدوا جيرانهم، هو توسيع دائرة عداءها لتشمل محيطها العربي. فبدلا من بناء تحالفات إقليمية متينة، اختارت إيران مسار التصادم وتصدير الثورة، مما جعلها مكشوفة استراتيجيا ومعزولة في مواجهة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. هذا العزل الجيوسياسي، مقترنا بالاستنزاف الاقتصادي الناتج عن العقوبات وتكلفة البرنامج النووي، يضع طهران في موقف لا تحسد عليه، حيث تتآكل مواردها الداخلية بينما تتوسع التزاماتها الخارجية. في المقابل، تواجه واشنطن وتل أبيب معضلة “التنين” الإيراني الذي لا يمكن ترويضه بسهولة. فالضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، قد تؤخر البرنامج النووي أو تضعف قدرات الوكلاء، لكنها لا تنهي الصراع، وكما أثبتت أحداث المسلسل، فإن القوة الغاشمة وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار المستدام. الحلول العسكرية قد تخلق “سلاما باردا” مؤقتا، لكن الجمر يبقى متقدا تحت الرماد، جاهزا للاشتعال مع أول شرارة. وفي النهاية، يبقى السؤال الملح: كيف سينتهي هذا الصراع الملحمي؟ هل سنشهد تسوية كبرى تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، أم أننا نتجه نحو شتاء طويل من الاستنزاف المتبادل؟ الأكيد أن الشرق الأوسط، كعالم “صراع العروش”، لا يعترف بالنهايات السعيدة السهلة.
الأكثر قراءة